محطات في حياته ينفرد - 28/08/2007ظ… - 6:44 ص | مرات القراءة: 2425


مرة واحدة التقيت فيها الشاعر عباس مهدي الخزام، وذلك في العام 1996 في دبي، في ظهيرة سريعة ضمت عدداً من الكتاب والشعراء، وكل ما أتذكره الآن أنه كان ميالاً إلى الصمت، ولم يعط الكثير من الآراء في الشعر خصوصاً..

الاستاذ يوسف ابو لوز مرة واحدة التقيت فيها الشاعر عباس مهدي الخزام، وذلك في العام 1996 في دبي، في ظهيرة سريعة ضمت عدداً من الكتاب والشعراء، وكل ما أتذكره الآن أنه كان ميالاً إلى الصمت، ولم يعط الكثير من الآراء في الشعر خصوصاً، ذلك انني كنت اريد التعرف الى هذه الآراء تحديداً من شاعر له مكانته في السعودية والخليج العربي وبالذات في البحرين التي يعتبر بعض شعرائها ان الخزام واحد من رموزهم الدالة على قصيدة كلاسيكية تتمسك بتلك السيرة الشعرية التي دونها كبار شعراء العربية في تاريخنا الثقافي.

يوسف أبولوز
كان رحمه الله في ذلك اليوم هادئاً ومصغياً أكثر من أن يكون متكلماً، وراجعت نفسي حد اللوم، كيف انني لم أتعرف الى هذا الرجل عندما عملت في الدمام في العام ،1981 وكانت بلدة “القطيف” في المنطقة الشرقية في السعودية على مرمى عصا مثلما يقولون بالنسبة إليّ من حيث أقيم في الجند، إذ زرت “القطيف” مرة واحدة آنذاك، وعندما قرأت شعره هذه المرة، أخذت استعيد صورة تلك البلدة التي كتب فيها الكثير من الشعر وحوّلها من واحة نخيل الى واحة شعر، وأصبحت في كثير من الأحيان مركز حنينه وهو الشاعر الكثير الترحال.
والآن يرحل عباس مهدي الخزام أحد أبرز شعراء المنطقة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقد ترك خمس مجموعات شعرية هي: أنغام وآلام، باقات قلب جفاف، الجريح الصامد، أشواك وورود، وأنغام من أرض النخيل، إضافة الى كتابين: الأول: “كيف تنظم الشعر” وصدر عام ،1954 والثاني “نماذج من الشعر الجاهلي”. إلا ان هذا الرحيل لمثل شاعر في موقع عباس مهدي الخزام ينبغي ان يتجاوز مناسبة التأبين والرثاء أو العزاء إلى مهمة أدبية وثقافية رفيعة تتمثل هنا بجمع تراث هذا الرجل الشعري والنثري والصحافي وطباعة أعماله في كتاب او عدد من الكتب، ثم الأهم من ذلك قراءة هذا النتاج ومراجعته واعطاؤه حقه من النقد في سياق مرحلته التاريخية، اي قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، خصوصاً إذا عرفنا ان الخزام قد وضع كتباً في الثقافة الشعرية في وقت مبكر جداً مثل كتابيه: “كيف تنظم الشعر” و”نماذج من الشعر الجاهلي” في مرحلة كانت تشهد مجموعة من التحولات الجذرية في صورة القصيدة العربية.
لا بل ان تلك المرحلة الشعرية في السعودية والخليج العربي، لم تقرأ جيداً، ولم يتم التعريف بتلك المرحلة وبرجالات الأدب والثقافة والصحافة والعلم والفقه والتربية والتاريخ الذين قامت على ايديهم وقلوبهم فيها حركة ثقافية يمكن إدراجها في إطار التأسيس والتمهيد لمرحلة التجديد الشعري والثقافي التي شهدتها المنطقة في العقود التالية.
قبل أكثر من خمسين عاماً، كان الشاعر عباس مهدي الخزام يكتب قصيدة منتمية الى التربية الخليلية الصارمة.. متماسكة البناء والمعنى واللغة، شأنه شأن أبناء جيله في المنطقة الذين كانوا يعتبرون الشعر حامياً وحارساً أو إناء للغة العربية بكل معطياتها التاريخية والجمالية.
ولكن قبل الدخول في عوالم هذا الشاعر التأكيدي على مجموعة من القيم النبيلة في الشعر وفي الحياة، أشير الى مسألة أظنها على درجة من الأهمية، وهي ان الخزام قد نضج شعره في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وهما العقدان اللذان ظهرت خلالهما القصيدة العربية مكتملة التجديد بعد مرحلة ما يسمى الرواد، وقد كانت الريادة التجديدية قد بدأت من العراق على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، وكان بإمكان الخزام ان يتأثر بهذه الموجة التجديدية في قوام القصيدة العربية، ولكن يبدو انه آثر التمسك بشكل شعري واحد هو الشكل الكلاسيكي ذو الطابع الرومانسي في الكثير من النصوص، ولم يكتب قصيدة التفعيلة التي كانت آنذاك موضع خلاف يصل الى حد إشهار “الخيانة” الأدبية تجاه من يكتبها في ذلك الحين، خصوصاً من جانب تقليديي الشعر العربي.
في هذا الجو المشحون بما يمكن ان أسميه “التوتر الشعري” لم يفتح الخزام قناة اتصال مع الحداثة الشعرية القادمة من العراق، رغم ان المنطقة الشرقية في السعودية التي كانت “منطقة الشاعر” هي قريبة من فضاء التجديد الشعري، لا بل ان عدداً من شعراء السعودية في تلك المنطقة زاروا العراق وبعضهم درس فيها، وعندما نتتبع أوراق الشاعر عباس الخزام وهو كثير الترحال سوف لن نعثر على معلومة واحدة تفيد انه زار العراق او حاول الاتصال بشعراء التجديد فيها، فيما كان يكتب بإصرار قصيدته الخليلية الوافية التربية الكلاسيكية.
إن هذا الأمر لا يقلل من شأن الشاعر ولا من تاريخه الأدبي، بل انظر هنا إلى هذه النقطة بالذات على انها “موقف شعري” ينتمي الى شكل محدد من الكتابة، ولكن موقف الخزام هذا لم يلغ الشكل الآخر.. اي شكل القصيدة العربية الجديد (التفعيلة).. ثم لم أقرأ له في كل كتاباته ما يشير إلى موقف سلبي ضد قصيدة التفعيلة.
“الحل والرحال”
ولد عباس مهدي الخزام عام 1934 في بلدة القطيف وتوفي يوم الاثنين 9 يونيو/حزيران 2007 في البحرين ونقل جثمانه الى السعودية ووري الثرى في مسقط رأسه بلدة القطيف، وهو خطيب وأديب وناقد ومدرس وصحافي ودرس القانون وظل يمارسه حتى وفاته. وفي القطيف كانت دراسته الابتدائية وقد تتلمذ على يد الشيخ ميرزا حسن البريكي، وتشير أشعاره إلى حفظه المبكر لعيون من الشعر العربي.
عمل في شركة الزيت العربية “أرامكو” ومارس الترجمة والصحافة، ثم انتقل شاباً الى البحرين حيث ترأس عدداً من المجلات الثقافية وكتب الكثير من الدراسات في تلك المرحلة ولكن قبل ذلك يشار إلى انه في العام 1954 ألف كتابه “كيف تنظم الشعر”، ومن المهم الإشارة الى هذا التاريخ وإلى هذا الكتاب بشكل خاص والذي نأمل إعادة نشره في طبعة جديدة من باب الأهمية التاريخية لهذا الكتاب في وقت كانت فيه القصيدة العربية في ذروة تحولاتها وانقلابها على الشكل الشعري التقليدي.. فهل كان تأليف هذا الكتاب في حد ذاته هو رد ضمني من الشاعر الخزام على تلك التحولات والانقلابات الشعرية؟ والسؤال هنا متروك لمن يود البحث في تاريخ هذا الشاعر الذي كان منشغلاً بالشعر وهو في ذروة شبابه.
في النصف الأول من عقد الستينات عاش عباس مهدي الخزام في بيروت، ودرس المرافعات القانونية في الجامعة الأمريكية وفي بيروت التقى مارون عبود وكان شديد الإعجاب به وكان يقول عنه انه “كبير النقاد اللبنانيين”، لكن الأهم من كل ذلك، ان الشاعر أحمد عبد المحسن الجشي يقول في دراسة له إن الشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة كتب مقدمة أحد دواوين عباس الخزام، ولدى التأكد من هذه المعلومة أفاد الجشي انه قرأ ذلك في إحدى الصحف السعودية.
في الخمسينات من القرن الماضي ظهرت بعض الصحف والمجلات في المنطقة إلى جانب كوكبة من الشعراء العرب الذين تأثروا بجماعة مجلة “أبولو” وسيكون الخزام وسط هذا التأثر بهذه الجماعة ولو من بعيد، غير ان الخزام سيكون خلال تلك الفترة من الشخصيات الشعرية المؤسسة في السعودية ومن ضمن جيله آنذاك: الشاعر بن خميس، حمد الجاسر، محمد الشدي، ومحمد الطيار وعبد الكريم الجهيمان وغيرهم كثير من أدباء تلك الفترة وكانت تربطه بالأميرين عبد الله الفيصل وخالد الفيصل علاقة صداقة حتى ان الأمير خالد الفيصل تكفل بنفقات علاجه في لندن في نهاية الستينات، وفي تلك الفترة كان عباس الخزام قد انتقل الى البحرين.
كانت البحرين في نهاية الستينات مركزاً ثقافياً في المنطقة تضاهي في نشاطها الثقافي مراكز الثقافة العربية إلى حد ما.. الأمر الذي دفع الخزام للانتقال إليها، وفي البحرين مارس الصحافة وأخذ يشارك في الأنشطة الثقافية، وهنا ترسخت علاقته بالشاعر والروائي غازي القصيبي وشاعر البحرين الكلاسيكي الكبير براهيم العريّض وأحمد محمد الخليفة، وفي العام 1961 شهدت البحرين عيد استقلالها خرج الانجليز من البحرين فكتب الخزام قصيدة حول هذا الخروج وهي من أفضل قصائده وأذاعتها محطة “البي.بي.سي” كاملة وعلى إثرها أجرت معه المحطة حواراً مطولاً وهو موثّق حتى الآن في الأرشيف الاذاعي البريطاني.
لقد كان عباس مهدي الخزام كثير الترحال والتنقل الأمر الذي لم يتح له كتابة مسيرته ولو على شكل مذكرات، ولذلك، ستبدو هذه السيرة اشبه باللقطات السريعة التي يمكن جمعها من خلال قصائده، إذ تمر في شعره صور بعض المدن والبلدان التي كان يزورها، ولكن إذا أردنا تتبع هذه السيرة منذ شبابه اي الفترة التي امضاها في السعودية، سنعثر على معلومة تفيد انه اختفى مدة عامين لا يعرف أحد خلالهما اي شيء حوله، وهناك من يقول انه تعرض للاعتقال خلال هاتين السنتين وذلك لأسباب سياسية.
“تهم مدفوعة”
وانتقل الخزام الى الهند وهناك واصل دراسته في القانون، ثم عاد الى البحرين التي سيكون له بين شعرائها الجدد أكبر الاعتبار، وكثيراً ما يشير الشاعر قاسم حداد وعلي الشرقاوي الى هذه الاعتبارية الأدبية للخزام في البحرين وفي الوسط الثقافي البحريني وقد كرمته البحرين بإدراج قصيدته “درة الخليج” في مناهج المحفوظات للمرحلة الاعدادية وقد أنصفه الشاعر الناقد د. علوي الهاشمي في كتابه “ما قالته النخلة الى البحر”، وذكره عبد الله أحمد الشبّاط في كتابه “أدباء من الخليج العربي” بالقول: “لقد عرفت الاستاذ عباس مهدي خزام خلال الفترة 75  ،85 فكان الأديب الذي لا يمل ولا يكل من مناقشة القضايا الأدبية.. ولا من كتابة الدراسات الفكرية.. وعرفته صحافياً نشطا له دور بارز في اكثر من صحيفة”، ومن مساجلات الخزام في البحرين دفعه عن نفسه التهمة التي وجهها اليه الشاعر علي الشرقاوي من انه هو الذي يكتب قصائد هاشم العلوي وهنا كتب الشاعر عباس الخزام في مجلة المواقف البحرينية في عددها 1350 قائلاً: “.. استغربت من كلامه (اي من تهمة الشرقاوي) قلت له أوضح يا استاذ علي ماذا تقصد قال: الدواوين التي أصدرها هاشم العلوي أتظن أننا نصدقها ونعتبرها من إنتاجه انها يا استاذ عباس إحدى صدقاتك وليس هذا رأيي بل رأي الكثيرين من الأدباء والمثقفين. صمت برهة ثم قلت له ايها الاستاذ لو أمعنت النظر إلى قصائد العلوي وقارنتها بقصائدي لوجدت أن قصائدي تختلف تماماً عن قصائد العلوي ثم لماذا اكتب قصائد وأعطيها لشخص آخر؟”.
ويتابع الخزام في رد الاتهام: “.. أنا أول من حارب هذه الظاهرة السيئة في قصيدتي بورصة الشعر التي أذيعت من الاذاعة البريطانية حيث إن بعض الأثرياء في الخليج يستأجرون بعض الشعراء من ذوي الضمائر الجشعة فيكتبون لهم قصائد..”.
وفي أكثر من مناسبة وأكثر من مقالة له في عدد من الصحف والمجلات يرفض الخزام الأغراض الشعرية التقليدية ما لم تقم على اساس احترام ذات الشاعر ورفعة شأنه وعزته في مجتمعه كما قال ذلك في إحدى الامسيات الشعرية التي أحياها في أبوظبي عام 1996 وقال يومها “ان تمجيد الأشخاص أصبح مرفوضاً كما انه يحصر الطاقات الأدبية في فئة فقط، الأمر الذي من شأنه التسبب في نكسة كبيرة للشعر العربي”.
ومن آراء الخزام في الشعر ما كتبه في “المواقف” البحرينية عدد 1339 حيث كان يكتب بها بانتظام حتى آخر أيامه، وهنا له هذا الرأي: “القصيدة التقليدية اليوم أصبحت لا مكان لها في عالمنا الثقافي المتطور ما لم تكن تلك القصيدة تتماشى مع تطورات العصر ومع أحداثه نافضة عنها غبار المديح والرثاء بجميع اشكاله لأن عصرنا يرفض مثل هذه القصائد التي هي بمثابة معاول هدم لكيان الثقافة العصرية المتحررة، ونحن لا ننادي بهدم كيان القصيدة القديم إلا اننا نطالب بتطويرها”.
“قطيف الشاعر”
اذا كانت الصباحات الأندلسية قد ارتبطت بالشاعر الاسباني لوركا، كما ارتبطت مدينة طنجة المغربية بالروائي محمد شكري، فإن “القطيف” بلدة الفيض الشجري الكثيف قد ارتبطت بالشاعر عباس مهدي الخزام، فهي أولاً مسقط رأسه، وثانياً هي مسقط قصيدته، وفي هذه البلدة يظهر كم ان لهذا الشاعر من الاعتبار والقيمة المعنوية والأدبية لدى رجالاتها العلماء، فقد اقترح ذات مرة أحد أبرز علماء النحو والصرف وأحد أقطاب الفصحى العلامة الشيخ عبد المنعم المصلى استدعاء الشاعر الخزام وأخذه في جوله على بساتين القطيف  كما ورد في ديوانه “انغام من أرض النخيل” وقد أبيدت النخيل في البلدة وطلب الشيخ من الشاعر نظم قصيدة. فكتب الخزام في الحال:
أي ثأر لكم على الباسقات
                 فتجازى بأبشع الغارات
وأتمم هذه القصيدة التي تتألف من 71 بيتاً بحضور الشيخ وتلاميذه.
وفي مجموعته الشعرية “أشواك وورود” يقول في قصيدة تحت عنوان “القطيف”:
إن القطيف رياض حين تنظرها
                ودوحة الشعر مطروقاً ومبتكراً
فانظر ترى الربوات الخضر ضاحكة
                 والباسقات تناجي الأنجم الزهرا
وفي أكثر من موضع يعود الشاعر إلى القطيف التي تلهمه شعراً وصوراً مشتقة من طبيعة حبيبة إلى قلبه.
ترحال الشاعر
ان كثرة ترحالات الخزام قد انعكست في شعره، فهو كتب عن قبرص وعن كشمير وعن الطائف، وكتب عن قرية القديح وهي من قرى القطيف، كما كتب عن جزيرة تاروت إضافة إلى أماكن أخرى دخلت شعره الاحتفائي بالمكان وطبيعته وهويته الانسانية.
شعر عباس مهدي الخزام شعر قيم وعزة نفس. هو أيضاً شعر القوة المعنوية. قوة روح الانسان وقوة إرادته التي تحميه من الذل والانكسار والخضوع.
يركز عباس الخزام على هذه الموضوعات كثيراً ويقدمها أحياناً بصورة حكمية فلسفية تظهر فيها عصامية الشاعر وروحه القوية.. يقول في مجموعته “أشواك وورود”:
عار على المرء ان يبقى بلا عمل
ثم يقول: وان يكون حبيس الوهن والكسل
ولا تكن بحالة ممقوتة أبداً
فإن ذلك يُخزي سمعة الرجل”.
ذلك جانب مضيء من “قرطاس” عباس مهدي الخزام الذي حرس نفسه من نفسه بالشعر، وكان دائماً شاعر القصيدة الحاضرة المرتجلة من بديهة شعرية واثقة تذكّر باولئك الفحول الذين كان الشعر رديفاً للفروسية في حيواتهم المسطورة حتى اليوم في كتاب الشعر.
نماذج من شعره
“بورصة الشعر”
إن كان عندك يا سعاد قصائد
للارتزاق فعندنا من يشتري
لا تعجبي فالشعر أصبح سلعة
ويباع مثل الخبز والسمك الطري
والمبدعون الملهمون تسابقوا
بعروضهم في لهفة المتحسر
من شاعر لبق اللسان محنك
متألق سامي المقام مفكر
قد جاء يعرض في المزاد قصيدة
متكسبا كتكسب المستفقر
والبعض اقبل حاملاً أوراقه
فيها نفائس شعره المتطور
فتح المزاد والقيت اشعارهم
ليس الفرزدق بينهم والبحتري
ويطل من أعلى العمارة تاجر
فاقت كنائزه كنائز قيصر
فيقول للسمسار خذ هذي ودع
هذي واجزل في العطاء واكثر
وبلحظة يرسو المزاد لشخصه
وتحال كل سبيكة للجوهري
فيصوغها باسم الذي بيعت له
ويزيل ما كانت به من مصدر
فإذا تألق زيفها وتناسقت
وبدت كأجمل صورة في المظهر
طبعت على الورق الصقيل وأصبحت
بالغش تحمل بصمة الرجل الثري
بالمال يصبح كل شيء ممكناً
والساذج المعتوه يصبح عبقري
“درة الخليج”
هاهنا تربة جدي وأبي
ها هنا يلمع مجد العرب
صفحات مشرقات بالسنا
كتبت أحرفها من ذهب
تعبق الأطياب من جناتها
سحراً كالجدول المنسكب
فعلى الشاطئ ذكرى أمة
شيدت أمجادها بالقضب
درة فوق خليج أخضر
لا يضاهيها جمال الكوكب
وطن يختال في تاريخه
بالبطولات وموج اللهب
بلد اللؤلؤ يا ياقوتة
نضّدت فوق صدور الشهب
“تحية إلى شعب الجزائر”
حييت يا شعب الجزائر
لا زلت نوراً في المحاجر
أنت الذي رسم النضال
لكل ثائرة وثائر
لا زال صوت جميلة
حتفاً على الأعداء ماطر
يستلهم الثوار منه
الاندفاع إلى المخاطر
يتهافتون أكان موتاً
بالرصاص أو الخناجر
جئنا يقل جموعنا
فوق السحاب إليك طائر
قد جاء هذا الحشد
يحمل حبه لك في الخواصر
ويقيم أكبر ندوة
للشعر تكريماً لشاعر
فهنا هنا أرض الشهادة
زمجرت فيها الحناجر
بالموت للمستعمرين
فلاح فجر النصر زاهر
ما قيمة الأشعار حين
تبث من فوق المنابر
إن الذي باع الضمير
على حساب الشعر خاسر
يتحين الفرص التي
تأتي كلص في الدياجر
ما أجمل الكلمات حين
يبثها بالصدق شاعر
يكفي القريض تغزلاً
يتلى بصالات المقاصر
ظل القريض مكبلاً
بالتافهات من العبائر
لا بد أن يبقى القريض
مزمجراً كالسيل هادر
حتى يكون معبراً
ويكون بالأحداث زاخر
متعالياً عن كل مدح
فيه مفسدة الضمائر
يا أيها المتجمعون هنا
لتوثيق الأواصر
لا تجعلوا أشعاركم
يوماً تباع بمال تاجر
المدح والتلفيق يفقدنا
الكرامة والمآثر
فلتشحذوا أقلامكم
شعراء عالمنا المعاصر
ولتجعلوا من شعركم
درباً إلى نيل المفاخر
ذروا الرماد بكل عين
لا تغازلها الزواهر
تلك العيون مريضة
فيها ضياء الحق غائر
كثر الذين يخادعون
الناس من شتى العناصر
كونوا كراماً في الحياة
وفرحة في كل ناظر
أنتم قناديل الشعوب
وأنتم المقل السواهر
فترفعوا عن كل مدح
واحذروا كسب المظاهر
وقفوا معي لنقولها
حييت يا شعب الجزائر


التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.156 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com