محمد العيسى - صحيفة اراء سعودية - 24/02/2020ظ… - 7:15 ص | مرات القراءة: 92


مرّتَ فترة من الزمن كنتُ أجتمع فيها مع مجموعة من أصحابي في جلسات أسبوعية بنظام الدّورية، حيث كنا نتناوب فيما بيننا على دور استضافة الجلسة كل أسبوع، وكان المستضيف يوفّر للمجموعة الشاي والقهوة والماء.

استمرّت هذه الجلسات المبهجة بانتظام إلى أن قام أحد المستضيفين في أحد الأيام بتقديم طبق إضافي، فقد قام بطبخ هريسة لذيذة أثنى عليها الجميع، ثم وجَدَ مستضيفُ الجلسة القادمة نفسَه مضطرًا لأن يقوم هو أيضًا بتقديم طبق إضافي لا يقل فخامةً عن طبق المستضيف السابق، ومن هنا بدأت منافسة خفيّة في فخامة مائدة الضيافة بين المستضيفين.

مع الأيام زاد عدد الأطباق ولكن عدد المستضيفين بدأ في التناقص، فقد بدأ بعضهم بالانسحاب تدريجيًا من استضافة الدورية وبعضهم انسحب من المجموعة نهائيًا، وبعد فترة توقفت عجلة الدورية عن الدوران وأصبحت اجتماعاتنا البهيجة تلك من ذكريات الماضي الجميلة.

النفس البشرية تنفر من ارتفاع الكلفة والجهد وتميل إلى السهولة واليسر في كل شيء، ولذلك فالإنسان يستمر في ممارسة الأشياء أكثر كلما كانت ممارستها أخف وأيسر على نفسه، ويهرب من الالتزام بالأشياء كلّما كانت ممارستها أثقل وأصعب على نفسه، باختصارٍ شديد نستطيع أن نقول إن الفخامة هي من عوائق الاستدامة.

هذه القاعدة رغم بساطتها لا نلتفتُ إليها ولذلك فنحن لا ندرك حجم الأشياء الجميلة في حياتنا التي توقّفت وفقدناها بسبب حرصنا على الفخامة، زادت فخامة مجالسنا وأثاثها وموائدها ولكن انخفض عدد ضيوفنا لأننا صرنا نستصعب فتح هذه المجالس لأنها أصبحت ذات كلفة عالية في تشغيلها، ندفع بحماس رسوم التسجيل في الصالات الرياضية ونتحمّس في الذهاب لها والتمرن فيها في الأيام الأولى، ثم سرعان ما نهرب من الالتزام بالصالة لأننا في الأيام الأولى مارسنا أصعب التمارين ورفعنا أثقل الأحمال.

نتحمّس في بداية ممارستنا للريجيم الغذائي ثم سرعان ما نتركه لأننا في الأيام الأولى بالغنا في تعذيب أنفسنا بحرمانها من كل ما تشتهيه.

وهكذا فنحن نفقد جواهر ولب الأشياء إذا حرصنا على فخامة قشورها ومظاهرها، أيهما أهم أن تستمر مجالسنا مفتوحةً وأرحامنا فيها موصولة وضيوفنا بها معمورة؟ أم أن تكون مجالسنا وأثاثها وموائدها فخمةً؟ وأيهما أهم أن نستمر في ممارسة الرياضة أم أن نكسب عضلاتٍ فخمةً في أيامٍ قليلة؟

وأيهما أهم أن نستمر في نظامٍ غذائيٍ معتدل نأكل فيه كل ما نشتهيه ولكن بلا إسراف أم أن نفقد كيلوجرامات كثيرة في أيامٍ قليلة؟.

أنا الآن وأصدقائي بعد أن توقفت الدّورية تفرّقنا وكلٌّ منا لا زال يأكل ألذ أصناف الطعام في بيته وفي المطاعم وفي كل مكان، إلا أننا فقدنا أثمنَ شيءٍ في اجتماعاتنا القديمة.

لقد فقدنا اللحظات الجميلة التي كنا ننعم بها عندما كنا نلتقي ببعضنا البعض نتواصل ونتسامر ونقوّي أواصر المحبة وعرى الأخوة بيننا، والسبب هو طبق هريس أراد به أحدُنا بكل براءة أن يصنع به بعض الفخامة.

وما أسوأ الفخامة إذا قتلت الاستدامة..



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.097 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com