» كيف نتفادى النوبة القلبية وننقذ أنفسنا منها   » الحقوق لا تتجزأ   » ماذا قال السيد السيستاني عن ولاء الشيعة   » «أطفال إلكترونيون».. بحلول عام 2037 !   » فائض الطعام يوفر 13 مليون وجبة بالمملكة   » الفصل بين السعادتين   » بذور الشر 😈   » المؤامرة بين الحقيقة والوهم   » لماذا اكتب   » كشفت دراسة جديدة عن العلاقة الثابتة والوثيقة بين استخدام الهاتف الذكي واضطرابات الصحة النفسية بما فيها الاكتئاب، القلق، التوتر، ضعف التحصيل العلمي وسوء النوم  

  

سماحة الشيخ حسين المصطفى - 15/08/2019ظ… - 7:45 ص | مرات القراءة: 175


يمثّل يوم الغدير مرحلة مميزة بارزة في مسيرة الإسلام باعتباره:

أولاً: يمثل مسؤولية قيادة الإسلام في قاعدته الفكرية وفي امتداداته الشرعية والمنهجية.

وثانياً: يمثل قيادة المسلمين من خلال التعقيدات الموجودة في داخلهم، والتحديات التي تحيط بهم في الخارج من كلّ جانب.

إنّ الإسلام -بعد الرسول (ص)- بحاجة إلى شخصية (قيادية) تملك الإسلام بوعيه وامتداده الثقافي والمنهجي والشرعي، تستطيع أن توحِّد الفكر الإسلامي حتى لا يختلف المسلمون في تصورهم للإسلام؛ لأنّ هذا الاختلاف بالرغم مما يحتوي من إيجابيات كجزء من حركة الاجتهاد، إلا أنه عطّل فكرة وحدة المسلمين في خط الإسلام. حتى جاء من يتساءل -وهو يستمع إلى طرحنا للإسلام في الواقع- فيقول: عن أيّ إسلام تتحدثون؟!

لذلك كان لا بدّ من شخصية تملك التصور (المعصوم) الواضح للإسلام؛ لأنّ المرحلة التي خاضها رسول الله (ص) في مكة والمدينة كانت مرحلة مليئة بالحروب والتعقيدات الداخلية، مما ترك كثيراً من الضباب حول أكثر من مفهوم إسلامي.

ونحن لا ننكر أنّ هناك إخلاصاً واضحاً لدى صفوة الصحابة الذين واجهوا التحديات القاسية في مكة والمدينة بأوعى وأقوى ما تكون المواجهة. ولذلك نجد أنّ الله سبحانه وتعالى قد تحدث عنهم كطليعة في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} [الفتح:29]..

ولكنّ المرحلة -بطبيعتها- لم تكن تسمح بالتعمّق الثقافي والفكري، مما فرض أن تكون هناك قيادة تملك هذا المنهج في تعميق الإسلام وترسيخه في نفوس المسلمين وتأصيل الفكرة الإسلامية في مفرداتها كلها.

الإمام علي والحق:

كثير من الناس يريدون أن يمزجوا الحق بالباطل، وقد يقولون لك: إنّ عليك إذا أردْتَ أن تعيش في المجتمع، أن تأخذ من الباطل قليلاً وتأخذ من الحق قليلاً وتمزجهما، حتى يستطيع الناس أن يتقبلوا الحق الذي فيه شيء من الباطل. وكان علي (ع) يرفض ذلك، ويقول: "ما ترك لي الحقّ من صديق".

فـ"علي مع الحق والحق مع علي" كما يقول رسول الله (ص)؛ لأنّ علياً كان التجسيد للحق، ولأنّه لا يتحرّك خطوة نحو الباطل، وكان (ع) يرفض أن يحبّه النّاس على حساب المبادئ، فقد كانت مشكلته أنه يتحرك من موقع الحقّ.

وفي الوقت نفسه كان الإمام (ع) يواجه النّاس من حوله ويقول: "هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ".

فكان يحارب الذين يغالون فيه، ويعاقبهم؛ لأنّه كان يحافظ على الحقّ، ولا يريد أن يشجّع النّاس على أن يحبّوه ويقدّروه ويقدّسوه خارج نطاق الحقّ.

كما كان لا يريد للناس أن يبغضوه؛ لأنّهم إذا أبغضوه فإنّهم يبغضون الحقّ الذي يمثّله. ومع ذلك سَبّ النّاس علياً (ع) ما يقارب المائة سنة، ولكن أين علي، وأين الذين سبّوه؟!! وأين علي، وأين معاوية؟

وكان إذا جاءه متزلِّف من الذين ينافقون يمدحه وهو يعرف أنّه لا يعتقد فيه ذلك، كان الإمام علي (ع) يقول له: "أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ"؛ أي: أنا أقلُّ من مديحك الكثير هذا، ولكن أعظم مما في نفسك، لأنّني أعرف أنّ مقامي في نفسك ليس ما تظهره، لأن في نفسك شيئاً آخر.

وكان (ع) لا يشجّع النّاس على أن يحبّوه فوق الحدّ، بل كان يتواضع لله سبحانه وتعالى، وكان يدعو النّاس إلى أن يحاسبوه وينقدوه وهو الإمام المعصوم، كان يريد أن يعوّد الأمة على أن تنقد قياداتها وعلى أن تحاسبها. عندما يتحدّث النّاس إليه بذلك، كان يصارحهم بالحقيقة، كان يقول لهم: "وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ".

إنّ الإنسان إذا كان في موقع المسؤولية، وقال له النّاس كلمة حق، حتى لو كانت في غير ما يحبّ، فعليه أن يقبل، وأن يشرح للنّاس ما هو الحق في المسألة، وإذا طلب منه النّاس العدل فإنّه لا بد أن يفهم النّاس ذلك، لأنّ الإنسان الذّي لا يحب أن ينتقده النّاس بالحق، أو ينتقدوه بالعدل، كيف يمكن له إذاً أن يعمل على أساس الحقّ والعدل، وهو لا يطبّق كلمة الحقّ، ولا يطبق نتائج الحق على السّاحة؟

هكذا أراد الإمام علي (ع) أن نكون..

ولأنّ علياً (ع) في كل حياته كان مسلماً ليس فيه شيءٌ زائد عن الإسلام. لذا فإنّه (ع) في أخلاقه وزهده وشجاعته، وفي حربه وسلمه، كان صورةً عن الإسلام، لأنّه كان تلميذاً للقرآن. كان يريد منا أن نثبت على الإسلام، وأن نتخلّق بأخلاق الإسلام، وأن نلتزم بالإسلام مهما تغيّرت الظروف والأوضاع.

إنّ قيمة الإمام علي (ع) وعظمته أنه باع نفسه لله، فلا يتكلّم بكلمة، ولا يتحرّك بحركة، ولا ينشئ علاقة ولا يقطعها، حتى يدري موقعها من رضا الله.

الغدير في كتب التفسير:

ومن هنا كانت مسألة الغدير من المسائل الحيوية في المسيرة الإسلامية، ولا سيما بلحاظ ما ورد في كتب التفسير، من أنّ النبي (ص) عندما وصل إلى موقع غدير خم نزلت الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]. فالآية نزلت في نهاية الدعوة، والنبي (ص) في ذلك الوقت كان قد بلّغ كل ما أنزل إليه من ربّه، ولم يعهد أنه (ص) خاف من تبليغ أي حكم من الأحكام، بل كان قوياً في إبلاغ الوحي مهما كانت طبيعته، ومهما كانت ردود الفعل المترتبة عليه {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] حتى أنه (ص) عندما كان يتألم فإنه يتألم لأنّ الناس في قلبه، وكان يرى أنّ الخلاص هو في إتباع الناس للرسالة، ولذلك كان يتألم لهم ولم يتألم منهم.

وعلى هذا، فإنّ هذه الآية تؤكّد بأن هناك شيئاً مهماً {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ لأنّ الأمر مما يدور فيه الجدل باعتبار خصوصيته، وليس ذلك إلا الولاية لعلي (ع)، وعندما بلّغ النبي (ص) الرسالة بقوله: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: اللهم بلى، قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه". نزلت الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. لأنّ هذه الثغرة هي الوحيدة التي بقيت في الخط الإسلامي التشريعي، فعندما سدّت هذه الثغرة اكتمل البناء، وأتمّ الله نعمته على المسلمين ورضي الإسلام ديناً للناس كافة.

الانكفاء عن خط الولاية:

هنا، قد يتساءل البعض: كيف نفسّر هذا النوع من الانكفاء عن خط الولاية؟..

وكيف نفسّر أنّ النبي (ص) عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى احتجّ الأنصار وقالوا: "منا أمير ومنكم أمير"؟!!

وكيف انطلق بعض الصحابة لاستلام زمام المبادرة وليسارعوا بالبيعة بنحو ارتجالي استعراضي من دون أيّ تشاور؟!

وكيف لم تنطلق أية معارضة بعد أن كان النبي (ص) قد بيّن ذلك؟!

ربما يفسّر هذا الموضوع بما ألمح إليه المرحوم (السيد شرف الدين)، وهو أنّ الذهنية السائدة آنذاك، ما عدا بعض الصحابة، لم تكن متعمّقة ثقافياً في هذا الأمر، فلقد كانت البيعة هي التي تحكم الناس، فهم -حتى قبل الإسلام- كانوا إذا بايعوا التزموا، ولذلك فربما كانوا قد فهموا مراد كلام النبي (ص) الذي كان واضحاً في كلامه.

لكنّ أمراً ما كان يتحرك في الواقع الإسلامي، وكان يخطّط لغير ما أراده (ص). فلاحظ النبي (ص) انحسار هذا التأثير عن الذهنية العامة للناس بفعل بعض التعقيدات التي قد تكون من قبيل (غسل الأدمغة)، عندما قال: "ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً"، فالنبي (ص) هو الذي يتحدّث وليس أي شخص آخر، وهو إنما يتحدث بكامل عقله ووعيه وإرادته، فلم يعهد الصحابة أية كلمة أخرى قالها النبي (ص) في حالة هجر أو غيبوبة، فلقد كان يعيش معهم بحضوره كلّه، وكان يحدّثهم ويحدّثونه، ومن الطبيعي فإنه (ص) عندما يقول لهم: أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً لا يقصد بالمرة كتاباً بديلاً عن كتاب الله فإنّ كتاب الله هو النور في نفسه ولغيره، فلا بد أن تكون هناك قضية تستدعي الاهتمام، ويحتاج النبي (ص) إلى تأكيدها بحيث لا يدع بعدها لأحد المجال في التلاعب بالألفاظ.

فما هي يا ترى المناسبة أن يقول شخص: "حسبنا كتاب الله".

هل أنّ النبي (ص) كان يريد أن يقول لهم إنّ كتاب الله ناقص؟!

وما معنى "حسبنا كتاب الله". والله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. فالسنّة مكمّلة للكتاب وشارحة له، ومعمّقة لمفاهيمه، فماذا أراد القائل بهذا القول؟!

ثم ما الداعي إلى القول: "إنّ النبي ليهجر". في رواية، وفي رواية أخرى "إن النبي قد غلب عليه الوجع". فلم يعهد عن النبي (ص) في حياته كلها، بل حتى في حالات مرضه، أنه يهجر عندما يغلبه الوجع، أو يقول ما لا يعي تحت تأثير المرض، وهو المحفوظ من السماء، والذي لا ينطق عن الهوى.

هذا مع ملاحظة أنه لا يمكن أن يتكلم النبي هجراً وهو في الموقع الرسالي الذي يخاطب فيه المسلمون في أمر يتصل بمسؤوليته عن قضية ترتبط بالرسالة في الهدى والضلال مما اتفق المسلمون على عصمته فيه.

فحقيقة الأمر هي أنه أريد بذلك عدم السماح للنبي (ص) أن يعطي الوضوح الكامل لقضية الولاية.

ولذلك عندما جاء بعض الناس بدواة وكتف اختلف القوم، مما يعني أنهم لم يرتضوا هذه الكلمة، وربما كان البعض منهم يؤكّدون هذه الكلمة، فحينما بادروا بجلب الدواة والكتف، أو قالوا للنبي (ص) هل نأتيك بهما؟ قال لهم: "أفبعد الذي قلتم".

الدراسة التحليلية النقدية للتاريخ:

وبعيداً عن كل تهاويل القداسة التي انطلقت من خلال التراكمات التاريخية للأشخاص. وقد تحدّث علي (ع) في (الخطبة الشقشقية) التي حاول البعض أن يثير حولها بعض علامات الاستفهام متهماً (الشريف الرضي) بأنه هو الذي وضعها، علماً أن أسلوب الشريف يختلف عن هذا الأسلوب، وهناك من رواها قبل الرضي بمئات السنين.

إنه عندما يتحدّث عن حقّه يقول "وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ...". إلى أن يقول: "فَيَا عَجَباً!! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا! ..."، بمعنى أنه كانت هناك شراكة في أمر الخلافة، ومحاولة حثيثة لمنع أيّ صوت يرتفع ليتحدّث عن المسألة في أصولها، فلقد أصبحت أمراً واقعاً مفروضاً تحرّكت الأجواء السياسية من أجله.

وكان علي (ع) الأوعى، فلقد درس المسألة، لا من ناحية ذاتية، بل من خلال شعوره أنّ الإسلام لا يتحمّل معركة تمزّق الصف في تلك المرحلة، ولذلك قال: "فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجًا".

وعندما جاء أبو سفيان ومعه العباس ليبايعاه رفض ذلك، ونبّه إلى الفتن التي قد تنشب والظروف التي لا تسمح بمثل ذلك، لأنّ القضية لم تكن طموحاً بالنسبة لعلي (ع) ولكنّها كانت رسالة، فإذا كان الواقع يحمل الكثير من السلبيات التي قد تهدم الرسالة، فإنّ صاحب الرسالة لا بدّ أن يتحرّك بالرسالة في اتجاه آخر ليضحّي من أجل أن تبقى الرسالة.

ولهذا أعطى علي (ع) علمه وخبرته، وقلبه وعقله للإسلام الذي أصبح يقوده أناس آخرون لا يملكون علمه ولا خبرته ولا وعيه، إن على المستوى الثقافي أو على المستوى الإداري.

وتلك هي كلمته (ع) عندما كان يخاطب الناس في زمنه: "لَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ للهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ".

لقد ذاب في الإسلام والمسلمين عندما قال: "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً".

فالإمامة إذن هي في أن نبقى مع فكرهم وشرائعهم ووصاياهم، لأنها فكر الإسلام وشرائعه ووصاياه، وقد ورد في بعض الأحاديث: "أحبونا حبّ الإسلام"..

ومما نرصده في ذلك الواقع أنّ الخلافة لم تطرح بعد النبي (ص) كمفهوم، بل طرحت من قبل الأنصار على أساس عشائري بقولهم "منّا أمير ومنكم أمير".

مناقشة طروحات الخلافة:

ففي دراستنا للطروحات التي قدّمت في تلك المرحلة لا نجد طرحاً ثقافياً منهجياً إسلامياً بالمستوى الذي نشعر فيه بوجود وعي الخلافة في الخطوط الإسلامية الأصيلة، فكأنّ المسألة هي أن النبي (ص) مات وعلينا أن نأتي بشخص للقيادة كيفما كان.

ولعلّ هذه الـ"كيفما كان" هي التي حكمت التأريخ الإسلامي كله. لأنّ القضية ليست قضية منهج يفرض الشخص ولكنها كانت قضية شخص يفرض المنهج. ولذلك قال الإمام علي (ع) "حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنَّي أَحَدُهُمْ. فَيَاللهِ وَلِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الأوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هذِهِ النَّظَائِرِ".

فما هي يا ترى المميزات التي تميّز هؤلاء الأشخاص؟ وما هو علمهم؟ وما هي ثقافتهم؟ وما هو جهادهم؟ وما هو قربهم الفكري والروحي من رسول الله (ص)! فعندما ندرس المسألة من الناحية العلمية الموضوعية فعند ذلك نجد صدق ما كان يقوله علي (ع): أين أنا وأين هم؟!

وقد سمع الناس جميعاً آنذاك رسول الله (ص) يهيئ لعلي (ع) هذا الموقع الذي يعرفه كما لم يعرفه أحد "أنا مدينة العلم وعليّ بابها" . "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار". "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". "يا علي أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي". والله تعال يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. ويقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}. ويقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.

فمن أين نأخذ المنهج؟!

من خلال كلّ هذه التجربة التي مضت ولم يبق منها شيء في حركة الواقع في معنى السلطة، سوى الخط فإنه باق، نرى أنّ قصتنا مع يوم الغدير في امتداداته في خط علي (ع) هي: من أين نأخذ المنهج؟!

إنّ الآخرين لم يتركوا كياناً ثقافياً، ربما تركوا بعض الجوانب الإدارية الإيجابية، وربما تركوا بعض المبادرات الجيدة، ولكن الوحيد من بين كلّ الصحابة الذي استطاع أن يترك للمسلمين في مدى الزمن ثروة ثقافية تتّسع للإسلام كلّه وللإنسان كلّه والحركة والحياة كلّها هو علي بن أبي طالب (ع)، حتى أننا عندما نقرأ علياً (ع) الآن فإننا نقرأه كما لو كان يحدّثنا عن مرحلتنا هذه، لأنّ فكر علي (ع) اخترق الزمن ولم يتجمّد في مرحلة معيّنة.

لذلك فإنّ الالتزام بعلي (ع) هو الالتزام بمنهجه الذي هو منهج الإسلام، وإنّ الالتزام به هو الالتزام بالموضوعية في مواجهة القضايا التي يختلف فيها الناس لا بالعصبية، فقد كان علي (ع) من بين كلّ المسلمين، الإنسان الأول في الموضوعية، فعندما انتفض عليه الخوارج بدأ الحوار معهم، وأفسح المجال كيما يقولوا كلّ شيء، وكان يواجههم بالمنطق وبالحجة.

إنّ الالتزام بعلي (ع) هو الالتزام بالوحدة الإسلامية بمعنى أنّ الواقع الإسلامي إذا واجه التحديات الكبرى التي لا تتحمّلها التعقيدات، لا بدّ لنا أن نلتقي جميعاً أمام القضايا الكبرى، رغم الخطوط المختلفة، أي لا بد أن يتحرك كلّ من موقعه، لا سيما في مرحلتنا هذه ..

فعندما نواجه التحديات الكبرى من قِبَل الاستكبار العالمي، والتحديات ضد المنطقة العربية والإسلامية ، فإننا نشعر أنّ المسألة تستدعينا أن نرفع اللافتة التي رفعها علي (ع) في تلك المرحلة "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً".

فالمسألة الأهم هي كيف تسلم أمور المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد كان قلب علي (ع) مملوءاً بالحب لكلّ الناس حتى الذين اختلفوا معه، وكان من وصاياه "احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ". فلا يجوز أن نحمل الحقد للمسلمين، وإن كنّا نختلف معهم ونتبادل الاتهام بالخطأ، لكن علينا أن نلتقي على حبّ الله ورسوله وحبّ الإسلام، وأن نتحاور بالمحبّة وليس بالحقد، وأن نتحاور للوصول إلى الحقيقة بالأسلوب الموضوعي لا ليسجّل أحدنا النقاط على الآخر.

درس الغدير:

هل تريدون الاحتفال بعيد الغدير؟

إنني أزعم أنّ أحداً لم يحتفل بعيد الغدير كما ينبغي أن يحتفل به، فالغدير هو الثروة الثقافية والروحية لعلي (ع) فينبغي أن يكون المناسبة التي ينطلق فيها العلماء والمثقفون والمفكرون والأدباء من أجل أن يضعوا المنهج لدراسة تراث علي (ع) كلّه ليأخذ مكانه في العقيدة والشريعة وفي السياسة وفي فهم الكون ليدخل إلى عقولنا وإلى قلوبنا وإلى حياتنا.

لقد ورثنا من عهود التخلّف أسلوب الحوار على طريقة الجدل البيزنطي، فليست القضية هي البحث عن أسلوب الإقناع، ولا هي البحث عن الحقيقة ولكنّ كلّ واحد منّا يعتبر نفسه هو الحقّ المطلق.

التخلّف.. الجهل.. العصبية، هذا هو طابع الواقع الإسلامي، ولكننا لا نتحدث عن سلبيات مطلقة، فهناك إيجابيات، ولكننا نحاول دائماً أن نخنق هذه الإيجابيات بما نثيره من السلبيات.

فلا بدّ أن ندرس تجربة الإمام علي (ع) جيداً.. كيف كانت رحابة أفقه؟ وكيف كانت سعة صدره؟ وكيف كانت شدّة صبره؟ وكيف كان يحمل مسؤولية الإسلام على كتفيه؟ ومسؤولية المسلمين في عقله وقلبه؟

إنّ الانتماء لعلي (ع) مسؤولية فمن أراد أن يحسب نفسه مع علي (ع) فعليه أن يعيش في عقله وفي قلبه وحياته، لتجدوه معنا وليس في التأريخ، لأنّ شخصية مثل علي لا يمكن أن يضمّها التأريخ في مغاراته وكهوفه، إنه يطلّ علينا مع الشمس في كلّ صباح.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.057 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com